الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

367

مختصر الامثل

التّفسير يقول سبحانه في هذه الآية : « وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النّسَاءِ مَثْنَى وَثُلثَ وَرُبعَ » . وقد جاء هذه الآية بعد ما جاء في الآية السابقة من الحث على حفظ أموال اليتامى من التلف وعدم التفريط فيها ، فجاءت هذه الآية لتنوه بحق آخر من حقوقهم ، وهو هذه المرّة يتعلق باليتيمات خاصة . يعنى إنّ عليكم أن تنصرفوا عن الزواج باليتيمات تجنباً من الجور عليهن ، وأن تتزوجوا بالنساء اللاتي لا تسمح مكانتهنّ الاجتماعية والعائلية بأن تجوروا عليهن ، وتظلموهن ، ويجوز لكم أن تتزوجوا منهنّ بإثنتين أو ثلاث أو أربع ، غاية ما في الأمر حيث إنّ الخطاب هنا موجّه إلى عامة المسلمين ، عبر بالمثنى ، والثلاث ، والرباع فلا شك في أنّ تعدد الزوجات - بالشروط الخاصة - لا يشمل أكثر من أربع نساء . ثم إنّه سبحانه عقّب على ذلك بقوله : « فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً » . أي التزوج بأكثر من زوجة إنّما يجوز إذا أمكن مراعاة العدالة الكاملة بينهن ، أمّا إذا خفتم أن لا تعدلوا بينهن ، فاكتفوا بالزوجة الواحدة لكي لا تجوروا على أحد . ثم يقول : « أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ » . أي : يجوز أن تقتصروا على الإماء اللّاتي تملكونهن بدل الزوجة الثانية لأنهنّ أخفّ شروطاً . ويقول : « ذلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا » . أي : أنّ هذا العمل أحرى بأن يمنع من الظلم والجور ، ويحفظكم من العدوان على الآخرين . وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ( 4 ) « النّحلة » : في اللغة تعني العطية ؛ و « صدقاتهن » : جمع الصداق وهي بمعنى المهر . والآية الحاضرة التي جاءت بعد البحث المطروح في الآية السابقة حول انتخاب الزوجة تتضمن إشارة إلى إحدى حقوق النساء المسلّمة وتؤكد قائلة : « وَءَاتُوا النّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً » . أي : أعطوا النساء كامل مهرهن الذي هو عطية من اللَّه لهنّ لأجل أن يكون للنساء حقوق أكثر في المجتمع وينجبر بهذا الأمر ما فيهن من ضعف جسمي نِسبي . ثم بعد أن يأمر اللَّه سبحانه في مطلع الآية بأن تعطى للنساء مهورهن كاملة ودون نقصان حفظاً لحقوقهن ، يعمد في ذيل هذه الآية إلى بيان ما من شأنه احترام مشاعر كلا الطرفين ،